جان لوئيس بوركهارت
84
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وتوماس قرية كبيرة ، وجل سكانها من سلالة عرب الغربية الذين احتلوا النوبة قديما . 24 مارس - بعد مسيرة ساعة ونصف من توماس وصلنا تجاه الدر ، وفيها « معدية » لنقل الناس من بر إلى بر ، وانتظرت المركب برهبة ، وكان على البر الآخر ، ثم رأيت حسن كاشف نفسه يركبه ليعبر النهر ، فلما بلغ الشاطئ لقيني بفتور شديد ، وقال لي « ما كان لك بالمحس شأن ، فلم لم تعد بعد بلوغك سكوت ؟ » ثم سألني عما قدمت من هدايا لأخويه ، فأجبته إنني لم أقدم لهما شيئا لأننى لا أملك شيئا . قال « إني لأعجب إذن كيف أخليا سبيلك وأنت لا تحمل لهما خطابات توصية » . قلت إنهما أكرما مثواي ، لا بل ذبحا لي شاة . ولم يكن هذا صحيحا ، وإنما قصدت به التعريض بحسن كاشف لأنى لم أذق اللحم في أثناء مكثى ببيته ، ثم دخلت المركب ، وجره عبيد الحاكم على البر إلى توماس حيث أراد كاشف التفتيش على بعض الحقول ، وهنا شهدت مثلا قاسيا من أمثلة الطغيان والاستبداد المألوفة في بلاد الشرق ، ذلك أن حسن كاشف كان يطوف بحقل كبير في نحو ثلاثين من أتباعه وعبيده : فأخبر صاحب الحقل أنه أخطأ بزرع حقله شعيرا ، لأن البطيخ كان يزكو أكثر منه . ثم أخذ من جيبه شيئا من بذور البطيخ وأعطاها للرجل وهو يقول « خير لك أن تقلع الشعير وتزرع هذه البذور عوضا عنه » . ولكن الشعير كان قد قارب النضج ، فاعتذر الرجل بطبيعة الحال عن عدم تنفيذ ما أمر به كاشف . وهنا قال كاشف « إذن فسأزرع أنا الحقل بطيخا نيابة عنك » ، ثم أمر رجاله فورا بتقليع الشعير وتمهيد الحقل لزرعه بطيخا . وحمّل المركب بعد ذلك بالشعير المقلوع . وهكذا نكب الرجل وأفراد أسرته ليوفروا لجياد الحاكم وجماله عليقا من سيقان الشعير يكفيها ثلاثة أيام . وعدت إلى الدر مع حسن كاشف ، ولكني لم أقم فيها غير ساعات . وصرفت دليلي القراريشى الأمين محمد سعد ، بعد أن نفحته بملاية صوفية طالما تلهف عليها . وكان رجلا طييا ، لولا أن فيه عيبا واحدا ، ولكنه في الدليل بعد عيبا كبيرا . ذلك أنني ما كنت أستطيع حمله على إخبارى بطول المسافات التي